ابن عجيبة
303
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : الاستبصار في أمور الدنيا ، والتحديق في تدبير شؤونها ، حمق وبطالة « 1 » ، وقد وسم به الحق تعالى الكفرة بقوله : وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ، والاستبصار في أمور اللّه تعالى وما يقرب إليه وما يبعد عنه ، والفحص عن ذلك ، والتفكر في عواقب الأمور ؛ من شأن العقلاء الأكياس ، قال صلى اللّه عليه وسلم « ألا وإن من علامات العقل : التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور » ، وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلم : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني » « 2 » ، وقيل للجنيد رضي اللّه عنه : متى يكون الرجل موصوفا بالعقل ؟ فقال : إذا كان للأمور متميزا ، ولها متصفحا ، وعما يوجبه عليه العقل باحثا ، فيتخير بذلك طلب الذي هو أولى ؛ ليعمل به ، ويؤثره على ما سواه . ثم قال : فمن كانت هذه صفته ترك العمل بما يفنى وينقضى ، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا ، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ، ويسير حائل ، يصده التشاغل به ، والعمل له ، عن أمور الآخرة ، التي يدوم نعيمها ونفعها ، ويتأبد سرورها ، ويتصل بقاؤها . . إلخ كلامه . وقد ضرب اللّه مثلا لمن ركن إلى غير اللّه ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 41 إلى 44 ] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ ( 43 ) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 )
--> ( 1 ) الاستبصار في أمور الدنيا فرض لازم للأمة . . ينبغي أن تتعاون الأمة لإقامته في كل أمر من أمور الدنيا ، وشأن من شؤونها ، وعلى العاقل - ما لم يكن مغلوبا على عقله - أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه . ( 2 ) أخرجه بنحوه الترمذي وحسّنه في ( صفة القيامة والرقائق ، باب 25 ح 2 / 1423 ح 4260 ) ، وابن ماجة في ( الزهد ، باب ذكر الموت والاستعداد له ، 2 / 1423 ح 4260 ) من حديث شداد بن أوس .